محمد بن محمد ابو شهبة
565
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ابن الجوزي في « التلقيح » ، وعدها المسعودي ستين ، وبلغها الحافظ العراقي في نظم السيرة زيادة على السبعين ، ووقع عند الحاكم في « الإكليل » أنها تزيد على مائة ؛ فلعله أراد ضم المغازي إليها ، كما قال الحافظ في الفتح . فلا يهولنّك - أيها القارئ الفطن - ما ترى من اختلاف في العدة ، فالعبارات ليست حاصرة ، والعدد كما يقول بعض الأصوليين لا مفهوم له ؛ فذكر الأقل لا ينفي ذكر الأكثر ، والمسألة كما قلت لك اعتبارية ، فمن ثمّ اختلفت العبارات في العدة لاختلاف الاعتبارات ؛ وكلّ أخبر بما علم ، وقد يكون عند الواحد من صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ليس عند الاخر ، وقد يشهد الواحد منهم ما لا يشهد الاخر . وهذا هو اللائق بصحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والرعيل الأول من المسلمين ، الذين نشروا الإسلام وضحوا في سبيله بالنفس والنفيس ، والأهل والولد ، وكان الواحد منهم لأن يخر من أعلا جبل ، أهون عليه من أن يكذب على رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ، أو يصفه بما ليس فيه ، أو ينسب إليه ما لم يصدر عنه . وكانوا من العدالة ، ومن الصدق ، والضبط بالمحل الأرفع ، وكيف لا وقد أثنى اللّه عليهم بالثناء المستطاب في القران الكريم ، وضرب بهم الأمثال في التوراة والإنجيل ، وأثنى عليهم الرسول الكريم غاية الثناء ؟ ولا تعجب - يا قارئي الحصيف - إذا كنت أعنى بالتوفيق بين الآيات القرانية ، والأحاديث والمرويات ، لأن هذا من جلّ مقاصدي في هذا الكتاب أن أبين أن آيات اللّه يصدّق بعضها بعضا ، وتتعارف ولا تتناكر ، وتتالف ولا تتخالف ، وأن الأحاديث الصحيحة الثابتة لا يرد بعضها بعضا ، ولا يناقض بعضها البعض الاخر ، وأن لهذه وتلك مخارج صحيحة لمن أعمل الذهن ، وقدح الفكر ، وتناولها بالقلب المؤمن ، والعقل المتئد البصير ، رزقني اللّه وإياك إيمانا ثابتا لا يتزعزع ، وقلبا بصيرا تقيا ، من الشكوك نقيا ، وعلما نافعا ، ولسانا ذاكرا ،